كريم نجيب الأغر
580
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
ولوقوع الإعجاز العلمي في القرآن والسنة فإنه لا بد من أن تشمل المطابقة بين السنن الكونية ومضمون النصوص الشرعية - على الأقل - معنى واحدا من معاني الكلام الذي ورد في تلك النصوص . ولا يشترط تطابق معاني الجذر المعتبر جميعها على السنّة الكونيّة التي يشير إليها الباحث ، وذلك لتعذّر توافق هذه المعاني جميعها - وقد تشعّبت في اتجاهات مختلفة - على شيء واحد . وكذلك لأننا لا نعلم حقيقة ما يرمي إليه اللفظ ، فقد يرمي إلى بعض المعاني دون الأخرى ، فإذا كانت الدلالة واضحة اكتمل التوافق واستقر التفسير ، ومن ثم تتحدد دلالات ألفاظ النصوص الشرعية بما استقر من حقائق علمية ؛ وهذا هو الإعجاز - إن شاء اللّه تعالى - كما نرى . وتجدر الإشارة هنا إلى أن معاني ألفاظ القرآن الكريم متعددة ، وأن العلم لم يستقر في غالب مجالاته ، لذا فإن الإعجاز العلمي قد ينكشف تدريجيا ، والضابط في تلك المعاني يبقى مرتبطا بدلالات اللغة العربية ، وقواعدها ، وأساليب الخطاب فيها ، وكذلك بقواعد البيان البلاغي فيها ، مصداقا لقوله تعالى : كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [ فصلت : 3 ] . ومن أمثلة الضوابط في مجال النحو : أن يكون المعنى منسجما مع الدلالة النحوية للنص القرآني ، وإلا لفقد معناه . فعلى سبيل المثال : فقد فسّر البعض الآية : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [ العنكبوت : 69 ] تفسيرا خاطئا صريحا وجليّا ، وجعل « لمع » بمعنى الفعل - أي أن اللّه تعالى لمع المحسنين بمعنى أضاءهم - ، ومن المعلوم أن فعل « لمع » غير متعدّ ، لا يأتي له مفعول به ، وفعل « لمّع » بتشديد الميم هو الذي يأخذ مفعولا واحدا ، وبالتالي فهذا التفسير مخالف للدلالات اللغوية النحوية ، ولام « لمع » تسمى المزحلقة تتصل بخبر « إنّ » وليست من أصل الكلمة . ومن أمثلة الضوابط في مجال البيان البلاغي : أن تراعى قاعدة أن لا يخرج اللفظ من الحقيقة إلى المجاز إلا بقرينة كافية ، فإن خرج ، وعدل عن الحقيقة إلى المجاز « 1 » ، فعلى المجاز أن ينضبط بضوابط التأويل التي تقتضي وجود قرينة من نص آخر ( مثل حديث نبوي شريف ) ، أو قياس ، أو كما درج عليه المفسرون ، مع
--> ( 1 ) والمجاز ينقسم إلى نوعين : المجاز الصريح : وهو المجاز الذي ظهر المراد به في نفسه ، ولا حاجة لنا فيه أن نلجأ إلى قرينة خارجية حتى نفسره ، والكناية : وهو المجاز الذي خفي المراد به في نفسه ، ويحتاج إلى دقّة في النظر والتفكير لاستنباط معناه ، وبالتالي يجب علينا أن نعتمد على قرينة كافية لتفسيره .